محمد حسين هيكل
97
حياة محمد ( ص )
ورأته خديجة كذلك فازدادت إشفاقا ، وتقدّمت إليه في رقة وضراعة أن يعود إلى فراشه وأن ينام ليستريح . فكان جوابه - أو كما قال - انقضى يا خديجة عهد النوم والراحة ، فقد أمرني جبريل أن أنذر الناس وأن أدعوهم إلى اللّه وإلى عبادته . فمن ذا أدعو ؟ ومن ذا يستجيب لي ؟ فجهدت خديجة تهون عليه الأمر وتثبته . وسارعت فقصت عليه نبأ ورقة وما حدثها به ، ثم أعلنت إليه في شوق ولهف إسلامها له وإيمانها بنبوّته . وكان طبيعيّا أن تسارع إلى الإيمان به ، وقد جربت عليه طول حياته الأمانة والصدق وعلو النفس وحب البر والرحمة ، رأته في سنوات تحنثه كيف شغلت نفسه بالحق وحده ، يطلبه مرتفعا بقلبه وبروحه وبعقله فوق أوهام الناس ممن يعبدون الأصنام ويقرّبون لها القرابين ، وممن يرون فيها آلهة يزعمونها تضر وتنفع ، ويتوهمونها خليقة بالعبادة والإجلال . رأته في سنوات تحنثه كما رأت كيف كان حاله أول عوده من حراء بعد البعث وهو في أشد الحيرة من أمره . ولقد طلبت إليه متى جاءه الملك أن يخبرها . فلما رآه أجلسته على فخذها اليسرى ثم على فخذها اليمنى ، ثم في حجرها وهو ما يزال يراه ، فحسرت وألقت خمارها فإذا هو لا يراه ؛ فلم يبق ريب عندها في أنه ملك وليس بشيطان . ورقة ومحمد وخرج محمد من بعد ذلك يوما للطواف بالكعبة ، فلقيه ورقة بن نوفل . فلما قص عليه محمد أمره قال ورقة : « والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة . ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى . ولتكذّبن ، ولتؤذينّ ، ولتخرجنّ ، ولتقاتلنّ . ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرنّ اللّه نصرا يعلمه » . ثم أدنى منه رأسه فقبّل يافوخه . وشعر محمد بصدق ورقة في قوله وبثقل ما ألقى عليه ، وطفق يفكر كيف يدعو قريشا إلى ما آمن به وهو يعلم أنهم أحرص ما يكونون على باطلهم ، حتى ليقاتلون في سبيله ويقتلون ، وهم من بعد أهله وعشيرته الأقربون . إنهم في ضلال ، وإن ما يدعوهم إليه هو الحق . فهو يدعوهم إلى الارتفاع بقلوبهم وبأرواحهم لتتصل باللّه الذي خلقهم وخلق من قبل آباءهم ، ليعبدوه مخلصين له الدين طاهرة نفوسهم . وهو يدعوهم ليتقرّبوا إلى اللّه بالعمل الصالح وإيتاء ذي القربى حقّه وابن السبيل ، ولينبذوا عبادة هذه الأحجار التي اتخذوا منها أصناما يزعمون أنها تغفر لهم ما يمنعون فيه من لهو وفسوق ، ومن أكل الرّبا ومال اليتيم ، فإذا عبادتها تحيل نفوسهم وقلوبهم أشدّ من الأصنام تحجرا وقسوة ! وهو يهيب بهم أن ينظروا إلى ما في السماوات والأرض من خلق اللّه لتمتثل نفوسهم ذلك كله وتدرك ما له من خطر وجلال ، فتعظم بإدراكها سنّة ما في السماوات وما في الأرض ، ثم تعظم بعبادتها خالق الوجود كله وحده لا شريك له ، وتسمو لذلك عن كل وضيع ، وتتعالى عن كل دون ، وتأخذها الرحمة بكل من لم يهده اللّه وتعمل لهدايته ، وتكون البرّ لكل يتيم ولكل بائس أو ضعيف . نعم ! إلى هذا أمره اللّه أن يدعوهم . لكن هذه القلوب القاسية ، وهذه الأرواح الغلاظ قد يبست على عبادة ما كان يعبد آباؤها . ووجدت فيه تجارة تجعل مكة مركز حجيج عبدة الأصنام ! أفيتركون دين آبائهم ويعرّضون مكانة مدينتهم لما قد تتعرّض له إذا لم يبق على عبادة الأصنام أحد ؟ ! ثم كيف تطهر هذه القلوب وتخلص من أدران شهواتها ، والشهوة تهبط بها إلى إرضاء بهيميّتها ، في حين هو ينذر الناس أن يرتفعوا فوق شهواتهم وفوق أصنامهم ؟ وإذا هم لم يؤمنوا به . فماذا عسى أن يفعل ؟ هذه هي المسألة الكبرى ؟